سماسرة

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله .

اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علماًَ ، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد .

وبعد : فهذه دروس في بعض المعاملات المالية المعاصرة التي كثر تعامل الناس بها في هذا الزمن ، وقد تكون هذه المعاملات من المعاملات المستجدة وقد تكون غير مستجدة بل تكلم عليها العلماء رحمهم الله في الزمن السابق ، لكن كثُر تعامل الناس بها ، كما يتعلق ببيع السماسرة ونحوه .

وقبل الشروع في بيان هذه المعاملات سنذكر تعريفاًَ مختصراًَ للمعاملات المعاصرة ثم نذكر الضوابط التي أخذها العلماء للمعاملات المالية ، لأن طالب العلم إذا فهم هذه الضوابط فإنه يستطيع أن يعرف حكم هذه المعاملات غالباًَ .

أولاًَ : تعريف المعاملات المعاصرة :

المعاملات في اللغة : جمع معاملة ؛ وهي مأخوذة من العمل وهو لفظ عام في كل فعل يقصده المكلف .

وأما في الاصطلاح : فهي الأحكام الشرعية المتعلقة بأمور الدنيا كالبيع والشراء والإجارة والرهن وغير ذلك .

فائدة :

اعلم أن العلماء رحمهم الله يقسِّمون الفقه إلى أربعة أقسام :

1- عبادات .

2- معاملات .

3- أنكحة .

4- أحكام الجنايات والقضاء .

هذا ما عليه أكثر العلماء رحمهم الله .

وبعض العلماء لا يخصون قسم المعاملات بالمعاملات المالية وإنما يدرجون أحكام الأنكحة بالمعاملات فيجعلون الأقسام ثلاثة :

1- عبادات .

2- معاملات ولا يخصونها بالمعاملات المالية .

3- أحكام الحدود والجنايات .

وهذا ممن ذهب إليه ابن عابدين الحنفي رحمه الله صاحب ” حاشية رد المحتار ” ، لكن أكثر العلماء رحمهم الله على تقسيم الفقه إلى الأقسام الأربعة .

والمراد بالمعاملات : المعاملات المالية وتشمل أمرين :

1- أحكام المعاوضات : وهي المعاملات التي يقصد بها العوض من الربح والكسب والتجارة وغير ذلك ، وتشمل البيع والإجارة والخيارات والشركات .. وما يلحق بذلك من عقود التوثقات .

2- أحكام التبرعات : وهي المعاملات التي يقصد بها الإحسان والإرفاق ، مثل الهبة والعطية والوقف والعتق والوصايا وغير ذلك .

إذا عرفنا أن المراد بالمعاملات ؛ المعاملات المالية ، فالعلماء يطلقون المال على ثلاثة إطلاقات :

1- الأعيان العروض : كالسيارة والبيت والأطعمة والأقمشة وغير ذلك .

2- المنافع : كمنفعة السكنى في هذا البيت ومنفعة البيع والشراء في هذا الدكان .

3- العين : ويراد به الذهب والفضة وما يقوم مقامه الآن من الأوراق النقدية مع أن المشهور عند الفقهاء رحمهم الله أنهم يجعلون الأوراق النقدية من قبيل العروض .

والعلماء رحمهم الله عرَّفوا المال بتعاريف متقاربة فقالوا : هو كل عين مباحة النفع أو كل ما أبيح نفعه فهو مال إلا ما استثناه الشارع .

المعاصرة : مأخوذ في اللغة من العصر ، والعصر يطلق في اللغة على ثلاثة إطلاقات :

1- الدهر والحين .

2- من عَصَر الشيء إذا ضغطه حتى يحتلب .

3- الملجأ ، يقال : اعتصر بالمكان أي التجأ به .

فيتلخص لنا في تعريفات المعاملات المالية المعاصرة أنها : الأحكام الشرعية للمسائل المالية التي ظهرت ووجدت في عصرنا .

التعريف السماسرة

جاء في سنن النسائي عن قيس بن أبي غزوة قوله : كنا بالمدينة نبيع الأوساق ونبتاعها. ونسمي أنفسنا السماسرة . ويسمينا الناس، فخرج إلينا رسول الله- ص- فسمانا باسم هو خير لنا من الذي سمينا به أنفسنا. فقال : يا معشر التجار إنه يشهد بيعكم الحلف واللغوة فشوبوه بالصدق.[1]

وأصل الكلمة أعجمية عربت لتدل على ما تعنيه الدلالة في الأسوق والوساطة بين البائع والمشتري.[2]

السمسرة : هو الوساطة بين البائع والمشتري الإجراء البيع.[3]

السمسرة : هي التوسط بين البائع والمشتري , والسمسار هو : الذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطاً لإمضاء البيع , وهو المسمى الدلال , لأنه يدل المشتري على السلع , ويدل البائع على الأثمانانتهى من “الموسوعة الفقهية” (10/151) .

السمسرة: كما يعرفها الناس، هي التوسط بين البائع والمشتري لتسهيل البيع، وهي شيء ضروري للناس في حياتهم، فكثيرًا ما يحتاجون إليها.

الدلالة السمسرة

وقال الإمام البخاري في صحيحه :

بَاب أَجْرِ السَّمْسَرَةِ . وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ : بِعْ هَذَا الثَّوْبَ فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ .

وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : إِذَا قَالَ بِعْهُ بِكَذَا فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهُوَ لَكَ ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ .

وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ) ” انتهى كلام الإمام البخاري).

الأحكام السمسرة

السمسرة جائزة، والأجر الذي يأخذ السمسار حلال؛ لأنه أجر على عمل وجهد معقول، لكن الشافعية: لا يصح استئجار بياع على كلمة لاتتعب، وإن روحت السلعة؛ إذ لا قيمة لها[4]. ولا باس أن يقول شخص لآخر : بع هذا الشيء بكذا، وما زاد فهو لك، أو بيني وبينك، لما روه أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة (( المسلمون على شروطهم)).[5]

وقد نص جمع من الأئمة على جواز السمسرة ، وجواز أخذ الأجرة عليها.

وسئل الإمام مالك رحمه الله عن أجر السمسار فقال : لا بأس بذلك . “المدونة” (3/466) .

وقال ابن قدامة في “المغني” (8/42)

ويجوز أن يستأجر سمسارا , يشتري له ثيابا , ورخص فيه ابن سيرين , وعطاء , والنخعي . . . ويجوز على مدة معلومة , مثل أن يستأجره عشرة أيام يشتري له فيها ; لأن المدة معلومة , والعمل معلوم . . . فإن عَيَّنَ العملَ دون الزمان , فجعل له من كل ألف درهم شيئاً معلوما , صح أيضا . .

وإن استأجره ليبيع له ثيابا بعينها , صح . وبه قال الشافعي ، لأنه عمل مباح , تجوز النيابة فيه , وهو معلوم , فجاز الاستئجار عليه كشراء الثيابانتهى باختصار

وسئلت اللجنة الدائمة عن صاحب مكتب تجاري يعمل وسيطاً لبعض الشركات في تسويق منتجاتها ، حيث ترسل له عينة يقوم بعرضها على التجار في الأسواق ، وبيعها لهم بسعر الشركة مقابل عمولة يتم الاتفاق عليها مع الشركة . فهل يحقه في ذلك إثم ؟

فأجابت :

إذا كان الواقع كما ذكر جاز لك أخذ تلك العمولة ، ولا إثم عليك انتهى .

فتاوى اللجنة الدائمة” (13/125)

الدكتور محمد بكر إسماعيل الأستاذ بجامعة الأزهر ،فقال:

السمسرة: كما يعرفها الناس، هي التوسط بين البائع والمشتري لتسهيل البيع، وهي شيء ضروري للناس في حياتهم، فكثيرًا ما يحتاجون إليها، فكم من أناس لا يعرفون طرق المساومة في البيع والشراء، ولا يعرفون طرق الوصول إلى شراء أو بيع ما يريدون شراءه أو بيعه، وكم من أناس لا تسمح مراكزهم بالنزول إلى الأسواق، والاتصال بالبائعين والمشترين، ولا يجدون من يقوم لهم بالبيع والشراء حسبة لوجه الله، ومن هنا كانت السمسرة عملاً شرعيًا نافعًا للبائع وللمشتري وللسمسار، يحتاج إليه كأي عمل آخر يحتاج إليه الناس وينتفعون به وليس فيه ما يوجب التحريم.
ويشترط في السمسار ثلاثة شروط لابد من توفرها فيه حتى يجوز له أن يقوم بهذا العمل:

الأول: أن يكون خبيرًا فيما يتوسط فيه بين البائع والمشتري، ولا يكون من أولئك الأدعياء الذين يدعون المعرفة بكل شيء ويسمسرون في كل شيء ،لا خبرة ولا دراية، فيضرون البائع حينًا ويضرون المشتري حينًا، بسبب جهلهم بالأسواق التي يعملون فيها أو بالسلع التي يبيعونها أو يشترونها للمشتري بطريق الوساطة.

والشرط الثاني: أن يكون صادقًا أمينًا لا يغش البائع ولا يغش المشتري، ولا يحلف بالله لهذا ولا لذاك، وإنما يعدل بينهما ويذكر محاسن السلعة ومساوئها معًا بلا مبالغة.

الشرط الثالث: ألا يتوسط في شيء لا يحل بيعه ولا تملكه ولا الانتفاع به.

الوساطة والسمسرة بين الفقه والاقتصاد

الوسيط في المعاملات بين الناس هو الذي يسهل التعاقد بين الطرفين وإن لم يكن طرفًا في العقد . وأجلى صوره : السمسار .

وفي السنة النبوية ورد السمسار غير مرة ، وفسروه بأنه (القائم على بيع سلعة الغير بمقابل). وهذا أيضًا تعريف السمسار في القواميس (مثلاً : وبستر راندم هاوس : السمسار BROKER هو وكيل يبيع ويشتري للأصيل لقاء عمولة . وفي المعجم الوسيط : سَمْسرَ : توسط بين البائع والمشتري بجُعْل ) . وفسر سيدنا ابن عباس النهي النبوي عن أن يبيع حاضرٌ لبادٍ بقوله : لا يكون له سمسارًا (أخرجه البخاري في البيوع ، وأبو داود وأصحاب السنن) .

فالمعنى الفقهي والقانوني للسمسرة يشمل من يبيع سلعة الغير بعمولة ، ومن يسهل عقد الصفقة بين طرفيها كسماسرة العقارات اليوم . والسمسار هو فقهًا “أجير عام” غالبًا ، و” أجير خاص” أحيانًا .

والتاجر على هذا المعنى الفقهي والقانوني ليس سمسارًا وسيطًا بين المنتج والمستهلك ، لأن التاجر – بخلاف السمسار – يشتري لحساب نفسه ليبيع كذلك . كما أنه ليس أجيرًا عامًا ، ولا أجيرًا خاصا .

وما سبق من معان للوساطة هي كلها متعارفة في الفقه والقانون ، وهدفها تسليط الضوء على العلاقة التعاقدية والحقوق والواجبات بين الأطراف المتعاقدة . فالسمسار وكيل لرب السلعة وأمين عليها (أحيانًا) ، ولا يستحق أجرته/ جُعْله إلا إذا تمت الصفقة . أما التاجر فيشتري السلعة من ربها وتدخل في ضمانه ، فيده عليها لا تكون يد أمانة بل يد ضمان ، فيتحمل هلاك السلعة وتعيبها وتقلب سعرها . ويعقد التاجر مع المشتري النهائي صفقة مستقلة لا شأن فيها لرب السلعة الأصلي.

هنا يدخل الاقتصاديون الموضوع بهدف آخر هو تسليط الضوء على الوظيفة الاقتصادية للوساطة في المجتمع ، وهي عمومًا تسهيل ( أي تخفيض تكاليف )عقد الصفقات بين الطالبين لسلعة أو منفعة ، وبين الراغبين في تقديمها (لأنهم منتجون لها أو مجرد حائزين لم ينتجوها) .

في منظور الاقتصاديين وعرفهم : السمسار وسيط كما التاجر وكما المصرف ، لأن مآل نشاطهم في المجتمع واحد وهو تسهيل (تخفيض تكاليف) انتقال السلع والمنافع من منتجيها الأصليين إلى مستخدميها النهائيين ، تسهيلاً مباشرًا ثنائيًّا في حالة السمسرة حيث يتم عقد الصفقة بين البائع والمشتري مباشرة بمساعدة السمسار ، أو تسهيلاً غير مباشر ثلاثي الأطراف في حالة التجارة ، حيث يعقد التاجر صفقة مع البائع الأصلي تنتقل بها السلعة إلى ملك التاجر ، ثم صفقة أخرى مستقلة مع المشتري النهائي .

إن هذا القاسم المشترك بين السمسرة والتجارة أمر ظاهر عقليًّا ، ومع ذلك فإن له شاهدًا شرعيًّا هو ما رواه أصحاب السنن عن أبي غَرَزَة t حيث قال : كنا نسمى السماسرة فسمانا رسول الله r باسم هو خير من اسمنا فقال : “يا معشر التجار…” ( رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة) .

وهذا القاسم المشترك يقودنا إلى تسليط الضوء على وجوه التشابه بين السمسرة والتجارة والوساطة المصرفية في الفقرة (ثانيًا) التالية .

نتيجة : يختلف التعريف الفقهي والقانوني للوساطة عن تعريفها الاقتصادي لاختلاف الهدف من دراستها . لكن وجهتي النظر متكاملتان لا متناقضتان . وإذا أردنا تحديد حاجة المجتمع لوساطة معينة فلا مفر من الانتباه لوظيفتها الاقتصادية .

المراجع والمصادر

خالد بن علي المشيقح، 1424هـ، المعاملات المالية المعاصر. مدينة.

لأبي عباس الابياني، 1992، مسائل السماسرة. بيروت- دار الغرب الإسلامي

وهبة الزحيلي، 1427، الفقه الإسلامي وأدلته. دمشيق-دار الفكر

حسين محمد الملاح، 1427، الفتوى-نشأتها وتطورها. بيروت-المكتبة العصرية.

مجلة الاقتصاد الإسلامي – المجلد العاشر

شبكة الفتاوى الشرعية

http://www.nqeia.com/site

www.Islamtoday.net

://www.kaau.edu.sa/CENTERS/SPC/

إسلام أون لاين.نت

شبكة الإسلامية – المكتبة – عقد الإجارة على دابة بنصف ما يحتطب عليها.htm

موقع الإسلام سؤال وجواب – حكم السمسرة.htm


[1] سنن النسائي ج 7 ص 247 من كتاب البيوع. وينظر النهاية لابن الأثير ج 440.

[2] المعاجم اللغوية خاصة لسان العرب.

[3] الفقه الإسلامي وأدلته ج 5 ص 3326.

[4] مغني المحتاج : 2/335 وفي الإحياء للغزالي .

[5] الفقه الإسلامي ودلته، ج 5 ص 3326.

~ oleh ANUAR AHMAD di Februari 25, 2009.

Tinggalkan Jawapan

Masukkan butiran anda dibawah atau klik ikon untuk log masuk akaun:

WordPress.com Logo

Anda sedang menulis komen melalui akaun WordPress.com anda. Log Out / Tukar )

Twitter picture

Anda sedang menulis komen melalui akaun Twitter anda. Log Out / Tukar )

Facebook photo

Anda sedang menulis komen melalui akaun Facebook anda. Log Out / Tukar )

Google+ photo

Anda sedang menulis komen melalui akaun Google+ anda. Log Out / Tukar )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: