ذكرى المولد النبوي: موقع القرضاوي/3-3-2009

مقدمة  

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خصنا بخير كتاب أنزل وأكرمنا بخير نبي أرسل، وأتم علينا النعمة بأعظم منهاج شرع، منهاج الإسلام (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا وقائد دربنا محمدا عبد الله ورسوله، أرسله ربه بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ففتح الله برسالته آذاناً صما ، وأعيناً عميا ، وقلوباً غلفا، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين، اللهم أمتنا على ملته واحشرنا في زمرته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، أما بعد،،،  

 

هبت علينا ذكريات رسول الله  

فيا أيها الأخوة المسلمون، كلما أهل علينا شهر ربيع الأول، هبت علينا ذكريات رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكريات مولده عليه الصلاة والسلام، ففي شهر ربيع الأول ولد محمد صلى الله عليه وسلم وفيه بعث وفيه هاجر، هذا النبي الكريم من حقه علينا أن نتذكر سيرته كلما جاءت مناسبة من المناسبات، وليس هذا من الاحتفال المبتدع، فنحن إنما نذكر الناس بهذه السيرة ونربطهم بهذه الرسالة المحمدية، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يذكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حين، ويقول سعد بن أبي وقاص: كنا نروج لأبنائنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نحفظهم السورة من القرآن، يروون لهم ما حدث في بدر وما حدث في أحد وما حدث في الخندق وفي بيعة الرضوان .. الخ، فلذلك علينا أن نهتدي بالصحابة وننتهز الفرص بعد الفرص لنذكر الناس بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حينما نحتفل بمولده عليه الصلاة والسلام الحقيقة أننا لا نحتفل بمولد شخص إنما نحتفل بمولد رسالة، رسالة ظهرت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحديثنا عن الرسول باعتباره مرسلاً لا باعتباره شخصاً، باعتباره شخصاً أعدته العناية الإلهية ليحمل الرسالة الخاتمة للبشرية ويحمل الرسالة العالمية التي امتدت طولاً حتى شملت آباد الزمن وامتدت عرضاً حتى انتظمت آفاق الأمم وامتدت عمقاً حتى استوعبت شئون الدنيا والآخرة، وصدق الله العظيم إذ يقول لرسوله (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) ، (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون). 

 

نتحدث عن محمد المجاهد  

عن هذا الرسول وعن هذه الرسالة يكون حديثنا أيها الأخوة، ولن نتحدث في هذه المناسبة إلا عن جانب واحد من جوانب السيرة النبوية، الشاملة الجامعة العاطرة، وهو جانب الجهاد في سبيل الله، نتحدث عن محمد المجاهد، لن نتحدث عن محمد الزاهد ولا عن محمد العابد، ولا عن محمد الأخلاقي، ولا عن محمد في جوانب كثيرة جداً، ولكن نتحدث عنه في جانب الجهاد، فما أحوج الأمة في هذه الآونة التي تتخاذل فيها عن واجبها نحو نصرة إخوانها في المسجد الأقصى، ما أحوجنا إلى تُحدث عن الجهاد وتُذكر بالجهاد.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المجاهدين، كما كان في كل شيء هو السيد والقائد والمقدم، والمفضل على غيره، في كل ناحية من نواحي حياته هو الأول هو العابد الأول والزاهد الأول والمجاهد الأول، هو أول كل شيء، يتباهى به الناس ويتغالى به الناس، فكان هو المجاهد الأول. 

 

جاهد نفسه وراضها في سبيل الله  

ابن القيم رحمه الله ذكر في الجهاد ثلاثة عشرة مرتبة، جهاد النفس أربع مراتب، وجهاد الشيطان مرتبتان، وجهاد الكفار أربع مراتب، وجهاد الظالمين والمبتدعين والفسقة ثلاث مراتب، النبي صلى الله عليه وسلم كان حظه الأوفى من هذه المراتب كلها، جاهد نفسه وراضها في سبيل الله، ليكون خلقه القرآن كما وصفته عائشة، فلابد أنه كان ممن تحقق فيهم قول الله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) جاهد نفسه الأمارة بالسوء حتى أصبحت نفساً لوامة ثم نفساً راضية مطمئنة، يا أيتها النفس المطمئنة، كانت نفسه نفساً مطمئنة، باليقين بالله، بعد طول جهاده لنفسه، منذ كان شاباً بل منذ كان صبياً لم يعرف عنه أنه ذهب في ما يدخل فيه أهل الجاهلية لم يسجد لصنم ولم يشرب خمراً ولم يشارك في لهو الجاهلية، بل كان إنساناً صنع على عين الله، واصطنعه الله لنفسه واصطفاه من بين خلقه فربي تربية خاصة، أدبه ربه فأحسن تأديبه وعلمه فأكمل تعليمه، وأعده للرسالة العظمى، (ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى) هداه الله وهو في حيرة الجاهلية، استخرجه الله من براثن الجاهلية ليعده ليكون الرسول الأعظم يكون حامل الرسالة العامة الخالدة إلى البشرية إلى أن تقوم الساعة، جاهد نفسه في الله وجاهد شيطانه، حتى أسلم شيطانه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم “ما من أحد منكم إلا وله شيطان، قالوا حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمر إلا بخير” حتى الشيطان استجاب له وأطاعه وأصبح لا يأمره إلا بخير، أصبح ينبوعاً من ينابيع الخير يتدفق بالهدى في كل مجال وعن يمين وشمال، هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم، جاهد نفسه في الله، وجاهد شيطانه في الله، وجاهد المشركين والمنافقين كما أمره ربه (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم).

جاهد الكفار بنفسه، وجاهدهم بماله وجاهدهم بلسانه وجاهدهم بيده، بكل أنواع الجهاد، قال الله تعالى له وهو في مكة في سورة الفرقان (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً فلا تطع الكافرين وجاهدهم به) – أي بالقرآن – (جهاداً كبيراً)، هذا الجهاد الكبير هو جهاد الدعوة والبيان والتبليغ عن الله عز وجل ولا تظنوا أن هذا كان أمراً سهلاً، إن مجابهة مجتمع وثني مصرّ على الوثنية مقتنع بما كان عليه الآباء والأجداد لا يحاول أن يمتحن ما كانوا عليه، (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون).  

 

لم تكن مجابهة المجتمع الجامد بالأمر السهل  

هذا المجتمع الجامد الذي وقف على التقليد، قلد تقليداً أعمى، لم تكن مجابهته بالأمر السهل حينما يقول لهم إن آلهتكم هذه إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إنها لا تبصر ولا تسمع، ولا تعطي ولا تمنع، ولا تضر ولا تنفع إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين، ألهم أرجل يمشون بها، أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها، كيف تبعدون هذه الأشياء التي ليس لها حتى ما للإنسان ولا للحيوان، هذه الحجارة الصماء، ولكن القوم قد أغلقوا عقولهم فلا يعقلون، وأغلقوا أعينهم فلا يبصرون وأغلقوا آذانهم فلا يسمعون (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون).

هكذا كان موقفهم وهكذا ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً يدعوهم إلى الله لا يكف، دعاهم ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً وصدع بما أمره الله حينما قال له الله (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) وجمعهم عند الصفا وقال لهم يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالواد تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ، لو قلت لكم إن وراء هذا الوادي القريب عدواً جاء بخيله ورجله يريد أن يغير عليكم، أكنتم مصدقيّ، قالوا نعم، ما جربنا عليك كذبا، وهنا قام عمه أبو لهب وقال له تباً لك سائر هذا اليوم ألهذا جمعتنا؟ ونزل قول الله تعالى يدافع عن رسوله وحبيبه صلى الله عليه وسلم (تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى ناراً ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد).  

 

معركة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقومه  

قامت معركة بين الرسول وقومه، الرسول يدعو إلى التوحيد وهم يدعون إلى الوثنية، يدعو إلى الحق وهم متمسكون بالباطل، يدعو إلى الجنة وهم يدعونه إلى النار، ولكنه صلى الله عليه وسلم ظل مستمسكاً بعرى دعوته لم يتزحزح قيد شعرة عن هذه الدعوة، حاولوا أن يغروه بالمال بالمنصب بالملك بالسيادة ولكنه رفض ذلك كله، جاء عتبة بن ربيعة وعرض عليه وقال له يا ابن أخي إن كنت تريد بما جئت به مالاً جمعناً لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت تريد شرفاً سودناك علينا، جعلناك سيداً حتى لا نقطع أمراً دوناً، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً من الجن عفريت يركبك أو كذا جئنا لك بالأطباء لنعالجك، إن كنت وإن كنت .. فماذا كان رد النبي صلى الله عليه وسلم، لم يرد عليه بشيء وإنما قرأ عليه آيات من القرآن من أوائل سورة فصلت (بسم الله الرحمن الرحيم، حم، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآنا عربياً لقوم يعلمون، بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون، وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون، قل إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ..) إلى آخر هذه الآيات حتى وصل قوله تعالى (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) ففزع الرجل وقال له: يا ابن أخي أناشدك الله والرحم أن تكف، وعاد إلى قومه بوجه غير الوجه وقال لهم دعوا محمداً وشأنه فقالوا له سحرك محمد، ذهب مندوباً لهم ليعرض عليه هذه العروض عساه أن يختار واحدة منها ولكنه أسمعه شيئاً آخر، قال لهم: هذا رأيي. 

قريش تقاطع محمداً وأصحابه مقاطعة اقتصادية واجتماعية

رفض محمد صلى الله عليه وسلم المال والجاه والملك وكل ما يتطلع إليه الناس، لأنه ما كان يريد مالاً ولا جاهاً ولا دنيا، إنما كان يريد أن يبلغ دعوة ربه إلى الناس، هذا ما يريده، ما كان يريد الدنيا، لو أراد الدنيا لقبل ما عرضه هؤلاء، وظل يكافح ويصبر على الأذى هو وأصحابه حتى قررت قريش أن تقاطع محمداً وتقاطع أصحابه وتقاطع من يحمى لهم ويدافع عنه مثل أبي طالب عمه، الذي قدر الله أن يظل على دين قومه وكانت هذه حكمة من الله ليحميه بجاهه، قرروا أن يقاطعوا هؤلاء مقاطعة اقتصادية واجتماعية، أي لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم ولا يزوجوهم ولا يتزوجون منهم، وحوصروا في شعب، يسمى شعب أبي طالب، دخله المسلمون كافة ودخله معهم بنو هاشم وبنو المطب مسلمهم وكافرهم، المسلم دخله باسم الإسلام والكافر دخله عصبياً لمحمد ولم معه من بني قومه وأصيب المسلمون بابتلاء شديد نتيجة هذه المقاطعة حتى سمع بكاء صبيانهم من بعيد من الجوع وحتى أكل المسلمون أوراق الشجر حتى دميت أشداقهم، جرحت أفواههم من الشجر الذي فيه الشوك، حتى فرج الله تبارك وتعالى عنهم، بعد نحو ثلاث سنوات هيأ الله رجالاً حموا لبني هاشم وبني المطلب وطلبوا نقد الصحيفة الظالمة القاطعة الجائرة، التي تعاهدوا فيها على مقاطعة هؤلاء القوم وعلقوها في جوف الكعبة وشقوا هذه الصحيفة.

عام الحزن

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن خلص من هذه المحنة دخل في محنة أخرى، فقد عمه أبا طالب الذي كان سنداً له في الخارج وفقد زوجته خديجة التي كانت سنداً له في الداخل، وسمى هذا العام عام الحزن وآذاه قومه بما لم يكونوا يقدرون على إيذائه به أيام عمه أبا طالب واشتدوا في إيذائه وإيذاء أصحابه، واضطر عليه الصلاة والسلام أن يخرج من مكة ويذهب إلى مكان آخر عسى أن يجد فيه قلوباً متفتحة وآذاناً صاغية، فذهب إلى الطائف، أقرب المدن إلى مكة وإلى أهله من بني ثقيف وظل في الطائف نحو عشرة أيام لا يجد كبيراً ولا شريفاً إلا وعرض عليه دعوته ولكنهم آذوه أشد الإيذاء وقابلوه أسوأ مقابلة ولم يجد عندهم ما يمكن أن يقدم شيئاً لهذا الدين الجديد بل سلطوا عليه سفهائهم وصبيانهم وجلسوا سمتين عن يمين وشمال يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه ومعه مولاه زيد بن حارثة يدافع عنه حتى شج في رأسه وأكثر من دمي القدمين وجرح القدمين أنه دمي قلبه وجرح قلبه نتيجة هذه المقابلة السيئة التي لم تعرف له قدراً حتى قال له بعضهم: ألم يجد الله في جزيرة العرب غيرك حتى يرسلك وقال له آخر: إن كنت صادقاً فأنت أكبر من أن أكلمك وإن كنت كاذباً فأنت أحقر من أن أكلمك فلن أكلمك صادقاً أو كاذباً، وعاد من هذه الرحلة كسير الخاطر حزين القلب وشكا إلى ربه عز وجل وإلى الله المشتكى وهو المستعان، شكى شكواه الأسيفة الرقيقة الحزينة التي نحفظها كلنا حينما قال (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ولكن عافيتي أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل بي غضبك أو ينزل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك)، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك، وقد أكرمه الله بعد ذلك بأن أسلم على يديه في هذه الرحلة عدّاس خادم بستان عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأسلم على يديه الجن، الذين جاء فيهم ما جاء في سورة الأحقاف وفي سورة الجن (قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا) كأن الله تعالى يقول له: إذا أعرض عنك الإنس فلقد أقبل عليك الجن ثم عوضه برحلة أفضل من هذه الرحلة وعوضاً عن هذه الرحلة إلى السماء إلى المسجد الأقصى ثم من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى، كانت رحلة الإسراء ورحلة المعراج، رحلة أرضية ورحلة سماوية.

الجهاد الكبير طوال ثلاثة عشر عاماً

عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال ثلاثة عشر عاماً في مكة يجاهد جهد التبليغ والبيان وجهاد الصبر والاحتمال على ما يلقى من الأذى وفي ذلك نزل قول الله تعالى في أوائل سورة العنكبوت (ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين، أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون، من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين)، هذا الجهاد كان جهاد الاحتمال والصبر والمثابرة في ذات الله وفي سبيل الله وفي سبيل دعوة التبليغ ودعوة الله، كان هذا هو الجهاد الكبير، (وجاهدهم به جهاداً كبيراً)، طوال ثلاثة عشر عاماً، جاهد النبي في تبليغ الدعوة، ثم هاجر إلى الله عز وجل، أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، إلى يثرب التي سميت بعد ذلك المدينة حيث بايع الأوس والخزرج بيعتين، بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية وعاهدهم وعاهدوه على أن يهاجر إليهم وعلى أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وذراريهم وأنفسهم وهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، هاجر من مكة أحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إليه، هكذا قال لها: ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت.

 مرحلة الجهاد المسلح

ذهب إلى مهجره الجديد، إلى دار الإسلام الجديدة، إلى قاعدة الإسلام الصلبة، إلى يثرب أو إلى المدينة التي نورها قدومه صلى الله عليه وسلم وحوله المهاجرين والأنصار، وهنا بدأت مرحلة جديدة من الجهاد، إنه الجهاد المسلح، إنه الجهاد بالسيف، إنه الجهاد بملاقاة الأعداء الذين أحاطوا به من كل جانب، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لقد رمتكم العرب عن قوس واحدة، كل العرب تجمعوا عليهم، ووقفوا ضدهم، اجتمع الباطل كله بخيله ورجله اجتمعوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، وكان عليهم أن يعدوا العدة لملاقاة عدو الله وعدوهم كما قال الله عز وجل (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) وأعد النبي صلى الله عليه وسلم ما استطاع لهذا الجهاد الدامي وهذه المرحلة الشديدة والقاسية من مراحل الدعوة إلى الله عز وجل، وكان هو في مقدمة المجاهدين.

 

هيأه الله ليكون المجاهد الأول

وقد هيأ الله أسباب الجهاد، وأسباب القيادة في الجهد حيث يكون المجاهد الأول، كان عنده عدة الجهاد، كان عنده الجسم القوي ليس ذلك الجسم المترف أو ذلك الذي قال فيه الشاعر

خطرات النسيم تجرح خديه ولمس الحرير يدمي بنانه

بل جسم تعود الخشونة، رعى الغنم لأهل مكة واشتغل بكد يمينه وعرق جبينه، الله هيأه لهذا، هيأه ليتلقى الحياة بخيرها وشرها، ويجربها بحلوها ومرها، شاء الله أن يموت أبوه وهو في بطن أمه وأن يموت جده سيد مكة وهو في الثامنة من عمره ليلاقي الحياة ويقاسيها بما فيها من ألوان الألم والعذاب، ويكسب قوته بنفسه، ليس كأولاد الذوات وأولاد الأسر الكبيرة، وهو من أسرة كبيرة، ولكن أباه لم يترك له مالاً، أبوه مات في العشرين من عمره لم يكون ثروة، وكان عمه أبو طالب كثير العيال وليس عنده مال كثير، فشاء الله أن يجابه الحياة بنفسه ويعمل بنفسه ويرعى الغنم ويتعلم في جو البادية وجو الصحراء وجو المراعي، هكذا أراد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن ينشأ هذه النشأة ويعيش على أقل القليل، على ما خشن من العيش، على ما قل من الطعام والشراب، ولذلك كان جسمه معداً للجهاد في سبيل الله، كان جسماً قوياً، حتى أن أحد المصارعين المعروفين واسمه ركانة أراد أن يصارعه صلى الله عليه وسلم وجعل إذا غلب محمداً يأخذ منه شاة وإذا غلبه هو أعطاه شاة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم صارع ركانة فصرعه، ثم تنازل له عن الشاة وقال له ما كان لنا أن نصرعك ونأخذ غنمك، ودخل الرجل في الإسلام.

كان صلى الله عليه وسلم يركب الفرس معرورياً لا سرج له ولا لجام، كان الجسم جسماً قوياً خشناً معداً للجهاد في سبيل الله، وكانت نفسه نفساً شجاعة لا تعرف الخوف إلا من الله عز وجل، ولذلك يقول فارس الإسلام علي بن أبي طالب كنا إذا احمرت الحدق وحمي الوطيس واشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، هكذا كان عليه الصلاة والسلام، جسم قوي، نفس شجاعة لا تخاف، بل كان يتمنى أن يقتل في سبيل الله ويقول، والذي نفسي بيده لولا أن أشق عليكم ما قعدت خلف سرية أبداً، النبي عليه الصلاة والسلام غزا سبعاً وعشرين غزوة حضرها بنفسه وشارك فيها بنفسه، وبعث بضعة وخمسين سرية من أصحابه وقال لهم: لولا أن أشق عليكم ما قعدت خلف سرية أبداً، فكان إذا خرج يخرجون معه، فكان يبعث مجموعة من أصحابه فقط، ولوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل، هكذا كان صلى الله عليه وسلم، كان قلبه موصولاً بالله، والقلب الموصول بالله لا يخاف أحداً إلا الله، كان إذا دخل المعركة استعان بالله عز وجل وقال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم، كان يقوي أصحابه بهذه الأدعية التي تشد أزرهم وتقوي ظهرهم، وتنفخ في روحهم.

هكذا كان عليه الصلاة والسلام، كان معداً ليقود الجهاد في سبيل الله، كان متمرساً على الحرب وأدوات الحرب كلها، وكان يغري أصحابه بذلك ويحرضهم على ذلك كما قال الله تعالى (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين) قال (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) فكان يحرضهم وهو أسوة لهم، كان يتقلد السيف ويلبس الدرع والخوذة، الدرع على صدره والخوذة على رأسه ويتترس بالترس ويحمل الرمح والقوس العربية ويرمي بالنبل، قاتل وقتل، قتل أبي بن خلف في غزوة أحد، حينما أراد أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: بل أنا أقتلك فضربه فأصيب ولما رجع إلى مكة قيل له لا بأس عليك الجرح يسير فقال لهم إن محمداً قال سأقتلك وما أراني إلا مقتولاً.

هكذا كان صلى الله عليه وسلم أعده الله ليجاهد في سبيله فعاش عمره في المدينة عشر سنوات، في السنة الأولى كانت هناك مناوشات بينه وبين القبائل من حول مكة ليرسلوا السرايا من أصحابه لتؤمن ما حول المدينة، وإما أن يستجيب هؤلاء الأعراب فيعاهدون النبي صلى الله عليه وسلم وإما أن يؤدبهم لأنه يستعد لمعركة قادمة يعلم أنها آتية لا ريب فيها، ثم كانت غزوة بدر وكانت غزوة أحد وكانت غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب، وكانت غزوة الحديبية وكانت غزوة خيبر وكانت فتح مكة وكان معركة الطائف ومعركة حنين، تسع غزوات كبرى، من سبع وعشرين غزوة حضرها النبي صلى الله عليه وسلم وأربع وخمسون أو خمس وخمسون سرية بعثها النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه إلى جهات شتى.

هذا الدين لم يأت إلينا عفواً صفوا

هذه الحرب الطويلة أيها الأخوة، جعلت كل بيت في المدينة يقدم شهيداً أو أكثر، ما من دار من الدور ولا حي من الأحياء إلا وقدم شهيداً أو أكثر من الشهداء، هذا الدين الذي ننعم به اليوم ونستظل بظله الوارف لم يأت إلينا عفواً صفواً، لم يأت إلينا غنيمة باردة ولا لقمة سائغة، لقد بذلت فيه الجهود، أريقت فيه الدماء، أزهقت فيه الأرواح، قدمت فيه التضحيات، ينبغي أن نذكر فضل الله علينا أن هذا الدين الذي ورثناه عن آبائنا ولم نبذل فيه شيئاً هذا الدين قدم من أجله الكثير وفي سبيله الكثير، كان صلى الله عليه وسلم وأصحابه يحاربون في عدة جبهات، الجبهة الوثنية في مكة وفي جزيرة العرب، والجبهة اليهودية التي غدرت برسول الله صلى الله عليه وسلم ونقدت عهده، وهناك جبهة أخرى متربصة أرادت أن تغزو النبي قبل أن يغزوهم فغزاهم هو قبل أن يغزوه، الروم النصارى الذين التقى بهم في سرية مؤتة وفي غزوة تبوك، وكان هناك الفرس الذين يقفون من قريب في إيران في دولة فارس التي هي إحدى الدولتين الكبريين في العالم تتنازع السيادة على العالم مع الروم، وكان هناك جبهة داخلية أخطر من هؤلاء جميعاً هي جبهة المنافقين، جبهة المنافقين الذين يقولون (آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين، يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا)، هذه الجبهات واجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف واجهها وكيف انتصر عليها؟

عسى الله أن يهيئ لنا حديثاً في الخطبة القادمة إن شاء الله أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم وادعوه يستجب لكم.

الخطبة الثانية

 تحية للشاب الذي وضع رأسه على كفه وقدم نفسه للمسجد الأقصى وللأمة الإسلامية

الحمد لله، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، واشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، يسبح له ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمداً عبدالله ورسوله البشير النذير والسراج المنير، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين، أما بعد،،،

فيا أيها الأخوة، لا نستطيع من فوق هذا المنبر إلا أن نحيي هذا الشباب المؤمن الشباب الذي وضع رأسه على كفه وقدم نفسه لقضيته وللمسجد الأقصى وللأمة الإسلامية كلها، نحيي هؤلاء الشباب شباب المقاومة الإسلامية شباب الجهاد الإسلامي الذين يروعون أعداء الله ما بين الحين والحين، بهذه العمليات البطولية الاستشهادية التي أثبتت أن المسلمين لا يزالون قوة مؤثرة وأن المسلم يستطيع أن يجعل من نفسه قنبلة بشرية تواجه القنبلة النووية، هذا الشباب الذي فجر التفجير الأخير، الذي أرعب اليهود، أدخل الرعب في قلوبهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، عشرون قتيلاً من المجرمين ومئات أو أكثر من مائة من الجرحى، هؤلاء نحييهم ونشد على أيديهم ونقول لهم استمروا في جهادكم، ما دام الاحتلال قائماً وما زال الظلم مستمراً، ما دام هذا الطغيان يتحكم في الرقاب ويتسلط على عباد الله، ما دام شارون متألهاً في الأرض يزعم أنه أشد قوة من عاد وثمود (أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) شارون الذي يتحدى ويتصدى ويتعدى ولا يبالي لأنه وجد أمة للأسف كأنما هي ميتة، كأنما نخاطب أصحاب القبور، الأمة التي استيأست يجب أن يكون هناك شباب يحيي مواتها وينفخ فيها الروح من جديد، هذا الشباب البطولي هذا الشباب الفدائي الذي يفجر نفسه في الله، هو دليل على حيوية هذه الأمة، ينبغي أن ندعو لهؤلاء الذين استشهدوا في سبيل الله ندعو لهم بالرحمة وبالجنة وبأعلى المراتب عند الله عز وجل، وندعو للشعب الفلسطيني بمزيد من تخريج مزيد من هؤلاء التلاميذ، تلاميذ مدرسة الجهاد المحمدي، الجهاد النبوي، هؤلاء التلاميذ هم الذين سيحيون القضية، هم الذين يفرضون على شارون وغير شارون أن يطالب بالتفاوض، ينبغي أن يستمر الجهاد، وأن تستمر المقاومة وأن تستمر الانتفاضة، وكل عمل لإجهاد الانتفاضة وإيقافها هو ضرب من الخيانة لله ولرسوله، ضرب من الخيانة للأمة وللأقصى وللقدس، ضرب من الخيانة لقضية فلسطين، يجب أن تستمر الانتفاضة ويجب أن تدعم الانتفاضة ويجب أن نؤيد الانتفاضة بما نستطيع بأنفسنا إن استطعنا، بأموالنا إن لم نستطع الجهاد بالأنفس، بدعائنا في الصلوات والخلوات والأسحار، بإنجادنا لهم بما استطعنا من أموال، بمقاطعة البضائع الصهيونية والأمريكية، بكل ما نستطيع علينا أن نؤيد الانتفاضة ونؤيد اخواننا في الانتفاضة ولا نتراجع عن موقفنا أبداً نحن أصحاب حق، كيف نتخلى عن حقنا والمبطلون يريدون بباطلهم أن يضيعوا حقنا وأن يميتوا حقنا وأن يجبرونا أن نتنازل عن حقنا، الغريب الدخيل الطريد الذي جاء من بلاد شتى واحتل الأرض وانتهك العرض وداس الحقوق والحرمات هذا يريدنا أن ننزل عند رأيه ولن ننزل، لن ننزل ما دام فينا مثل هؤلاء الشباب الذين يفجرون أنفسهم في أعداء الله، هذا ما يؤيده وما نرحب به وما نحييه وإذا مات أحد من المدنيين فأنا أقول كل المجتمع الإسرائيلي عسكري، من لم يكن في الجيش اليوم يمكن أن يستدعى غداً، وإذا مات طفل أو نحو ذلك فهو غير مقصود، إنها ضرورة الحرب وللحرب ضرورات والضرورات تبيح المحظورات.

___________

ألقيت هذه الخطبة عام 1422هـ

~ oleh ANUAR AHMAD di Ogos 13, 2009.

Tinggalkan Jawapan

Masukkan butiran anda dibawah atau klik ikon untuk log masuk akaun:

WordPress.com Logo

Anda sedang menulis komen melalui akaun WordPress.com anda. Log Out / Tukar )

Twitter picture

Anda sedang menulis komen melalui akaun Twitter anda. Log Out / Tukar )

Facebook photo

Anda sedang menulis komen melalui akaun Facebook anda. Log Out / Tukar )

Google+ photo

Anda sedang menulis komen melalui akaun Google+ anda. Log Out / Tukar )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: